أحمد بن محمد المقري التلمساني

25

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

راحت تذكّر بالنّسيم الرّاحا * وطفاء تكسر للجنوح جناحا أخفى مسالكها الظلام فأوقدت * من برقها كي تهتدي مصباحا وعبادة بن ماء السماء ، وكان معروفا بالتشيّع ، وفيه يقول من قصيدة : [ الطويل ] أبوكم عليّ كان بالشّرق بدء ما * ورثتم ، وذا بالغرب أيضا سميّه فصلّوا عليه أجمعون وسلّموا * له الأمر إذ ولّاه فيكم وليّه ومدحه ابن درّاج القسطلّيّ بقوله : [ المتقارب ] لعلّك يا شمس عند الأصيل * شجيت لشجو الغريب الذّليل فكوني شفيعي لابن الشّفيع * وكوني رسولي لابن الرّسول وكان أخوه القاسم بن حمود أكبر منه بعشر سنين ، وأمّهما واحدة ، وهي علوية ، ولما قتل الناصر كان القاسم واليا على إشبيلية ، وكان يحيى بن عليّ واليا على سبتة ، فاختلف هؤلاء البربر « 1 » ، فمال أكثرهم إلى القاسم لكونه غبن أوّلا ، وقدّم عليه أخوه الأصغر ، وكونه قريبا من قرطبة ، وبينهم وبين يحيى البحر ، فلما وصلت رسلهم إلى القاسم لم يظهر فرحا بالإمامة ، وخاف أن تكون حيلة من أخيه عليه ، فتقهقر إلى أن اتّضح له الحقّ ، فركب إلى قرطبة ، وبويع فيها بعد ستة أيام من قتل أخيه ، وأحسن السيرة ، وأحسّ من البربر الميل إلى يحيى ابن أخيه عليّ صاحب سبتة ، فتهالك في اقتناء السودان ، وابتاع منهم كثيرا ، وقوّدهم على أعماله « 2 » ، فأنفت البرابر من ذلك ، وانحرفوا عنه . وفي سنة تسع وأربعمائة قام عليه بشرق الأندلس المرتضى عبد الرحمن بن أعقاب الناصر ، لأن أهل الأندلس صعب عليهم ملك بني حمّود العلويين بسبب البرابر ، فأرادوا رجوع الإمامة إلى بني مروان ، واجتمع له أكثر ملوك الطوائف ، وكان معه حين أقبل لقرطبة منذر التجيبيّ صاحب سرقسطة وخيران العامري الصّقلبي صاحب المرية ، وانضاف إليهم جمع من الفرنج ، وتأهب القاسم والبرابرة للقائهم ، فكان من الاتفاق العجيب أن فسدت نية منذر وخيران على المرتضى ، وقالا : أرانا في الأوّل وجها ليس بالوجه الذي نراه حين اجتمع إليه الجمّ الغفير « 3 » ، وهذا ماكر غير صافي النية ، فكتب خيران إلى ابن زيري الصّنهاجي المتغلب على غرناطة - وهو داهية البربر - وضمن له أنه متى قطع الطريق على المرتضى عند اجتيازه عليه إلى

--> ( 1 ) في ب : فاختلفت أهواء البربر . ( 2 ) قوّدهم على أعماله : جعلهم قادة . ( 3 ) الجم الغفير : العدد الكبير .